حياة السيد محمود أفندي
في هذا الفيديو عن حياة محمود أفندي (قدّس الله سرّه) يُعرض بإيجاز ما قاله سيدنا (محمود أوستا عثمان أوغلو) عن نفسه. وهذا الفيديو الذي تبلغ مدته تسع دقائق ونصف، وإن عجز عن وصف الشيخ محمود الأوفي أفندي، فإنه سيكون وسيلة لتعرّف من لم يعرفوه قط على الشيخ.
من هو محمود أوستا عثمان أوغلو؟
وُلد محمود أفندي عام 1927 في قرية ميتشو (المسماة اليوم تافشانلي) من قضاء أوف في طرابزون، وأبوه علي أفندي بن مصطفى، وأمه السيدة فاطمة بنت طوفان. وكان والداه من أهل الورع والتقوى المشهورين، من أهل الفضل والاحترام.
الفيديو الذي يروي باختصار حياة مولانا وأستاذنا ومحلّ إجلالنا محمود أفندي (قدّس الله سرّه):
جمع الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو بين العلم والطريقة
كان السيد محمود أفندي، مثل شيخه علي حيدر أفندي، ذا الجناحين، جمع بين العلم والتصوف.
ومع تشدده في أمر الطريقة، لم يسمح قط بالتهاون في الشريعة الشريفة ولو بمقدار ذرّة. وكان يقول دائماً إنه لا ينبغي الاعتداد كثيراً بالرؤى والواردات والكشوف والكرامات وسائر الأحوال الخارقة، وإن المقصد الأصلي هو الاستقامة على جادّة الشريعة.
والأقوال التي سنوردها أدناه تُظهر مدى حرصه في هذا الباب:
«من عُرف بأنه مرشد، فإن كان فيه تطبيق للشريعة ففيه طريقة أيضاً. وإن لم تكن فيه الشريعة فلا طريقة فيه، ولا يمكن أن يكون مرشداً.»
«قد ترون أنفسكم في الرؤى أو الواردات في أحوال حسنة جداً. فإن كنتم ترون مثل هذه الرؤى وفيكم أحوال وأفعال مخالفة للشريعة، فاعلموا أن هذه الرؤى استدراج لكم. الاستدراج: هو أن يأخذ الله تعالى عبده العاصي إلى الهلاك درجةً درجة. لماذا كل هذه الجهود التي نبذلها؟ لنُحسن الشريعة. فالأمر يعود دائماً إلى الشريعة.»
«قال الإمام الرباني (قدّس الله سرّه) في المكتوب الخمسين من المجلد الثاني: ‹للوصول إلى حقيقة الشريعة لا بدّ من اتباع صورة الشريعة. لأن جميع كمالات الولاية والنبوة مبنية على صورة الشريعة.›»
عناية الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو بالذكر
كان السيد محمود أفندي ينظر إلى الشريعة الشريفة نظرة شاملة، فلم يكن يرضى قط بالانشغال بالعلم وحده مع التهاون في العبادة، وفي واجبات الطريقة التي هي بمنزلة مدرسة لذكر الله، وفي تبليغ الدين، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإن ذكر أقواله في هذا الموضوع يعين على فهم طريقه ولو بقدر يسير.
«لننشغل قليلاً بالدرس (ورد الطريقة) قبل النوم. ثم نواصل بعد صلاة التهجد. وننهيه وقت الإشراق. وسنصرف سائر أوقاتنا بعد ذلك في العلم.»
«ذكر الله هو أعظم اتباع لسيدنا (صلى الله عليه وسلم). كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يخلو من الذكر. ينبغي أن يقول المرء: ‹أمرني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالذكر فأنا أذكر›، وأن يذكر الله تعالى صباحاً ومساءً دون انقطاع.»
وكان يقول في بيان وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أي الأمر بالخير والتحذير من الشر):
«لو كانت كل بيوت إسطنبول مدارس، ولم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فلا قيمة لذلك.»
«بالله عليكم ارحموا هؤلاء الناس. إنهم يتدفقون إلى جهنم كالسيل.»
وكان يكثر من نقل هذا القول عن أستاذه علي حيدر أفندي:
«إن دوام الدين الإسلامي المبين وبقاءه مرتبط بدوام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبقائه، وإن زوال الدين الإسلامي المبين (أي انهياره) مرتبط بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.»
نسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً همّة هذا الغوث الجليل في الدنيا وشفاعته في الآخرة. آمين!
اتباع الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو للشريعة والسنة
كان السيد محمود أفندي يحثّ الناس على العلم والعبادة لا بقوله فحسب بل بحاله أيضاً، فلم يترك عبادة بدأها قط، وكان يحمل من رآه على الجد والاجتهاد باستقامته.
فبخلاف السنن الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، لم يترك قط النوافل كالتهجد والإشراق والضحى والأوابين وتحية المسجد وصلاة شكر الوضوء، حتى قال مرة: «لأن يموت محمود خير له من أن يترك صلاة الضحى».
ولم يُرَ يوماً وقد ترك صيام الاثنين والخميس، ولا اعتكاف العشر الأواخر من رمضان. وداوم على النوافل المذكورة في الأحاديث الشريفة من صلاة وصيام وذكر، وحثّ المسلمين عليها.
وإن إحياء الأستاذ للسنن المنسية، ومراعاته للآداب حتى ما كان منها خارج السنن كأنها فرض، كان سبباً في حب المسلمين له وتقديرهم إياه. وبسبب هذه العناية صار أول اسم يخطر على البال في تركيا عند ذكر «التقوى» وعند ذكر «اتباع السنة النبوية».
وحين سمع ذات مرة أن جماعته تُذكر باسم «المحمودجيين» حزن حزناً شديداً، وقال في خطبة الجمعة: «يقولون المحمودجيين. بالله عليكم! هل ابتدعتُ ديناً جديداً؟! إن لـرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر من أربعة آلاف سنة تُطبَّق في الحياة اليومية، فمن رآني تركتُ أربعاً منها فلا يصلِّ خلفي.»
إجلال الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو للعلماء
كان يُجلّ العلماء والطلاب كثيراً، ويعتني بأحوالهم، ويتولى بنفسه مشكلاتهم. وكان يبالغ في تعظيم العلماء حتى غير العاملين منهم بعلمهم، وحتى الحفاظ المجرّدين، فيقوم لهم إذا دخلوا عليه، ويصحبهم إلى الباب عند الانصراف، بل كان إذا جلس الحافظ في المقعد الأمامي من السيارة لم يمدّ رجليه نحوه بل جلس متأدباً متجمعاً.
وكان يبذل كل ما في وسعه من عون مادي ومعنوي للقارئين والمقرئين.
يروي أحد طلابه من أهل قونية ممن انضمّوا إلى حلقة الدرس عام 1962:
«كنت مؤذناً في الفاتح. وكنت بعد صلاة الفجر أذهب إلى إسماعيل آغا وأقرأ على الشيخ حتى الظهر. وبعد الظهر أنشغل بالمذاكرة والمطالعة. وكان لي خمسة أولاد. وكنت أجد صعوبة حتى في دفع إيجار البيت. فقررت أن أعمل في عمل إضافي. وكان ذلك يقتضي أن أترك الدراسة. وفي يوم، بعد الدرس، عرضت الأمر على الشيخ. فتأثر كثيراً. وقال لي: انتظر، ثم قام بنفسه إلى بيته وعاد بثلاثة أساور من أساور زوجته. وقال: ‹خذ، هذه هدية منا إليك. بِعها وادفع إيجارك، لكن لا تنقطع عن الدرس›.»
عناية الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو بالعلم
بوفاة شيخه علي حيدر أفندي بدأت مرحلة جديدة في حياة السيد محمود أفندي. فكان من جهة يؤم الجماعة إماماً، ومن جهة يُقرئ الطلاب، ومن جهة أخرى ينشغل بإرشاد إخوانه من أهل الطريقة بحسب وصية علي حيدر أفندي.
وكان يستخدم جامع إسماعيل آغا الذي كان إماماً فيه تكيةً ومدرسةً ومركزاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آنٍ واحد. وقد سبق أن أقرأ في بلدته، قبل أن يذهب إلى الخدمة العسكرية، كثيراً من الطلاب على الطريقة المتبعة في المدارس العثمانية، وأجاز كثيراً منهم. وقد تلقّى عنه في إسطنبول أيضاً كثير من الأئمة والوعّاظ والمفتين.
وكان دائماً يحثّ الناس على العلم والعمل والإخلاص. ولم يكن في تلك الأزمنة بالأمر الهيّن أن يُطلب العلم ويُدرَّس، فضلاً عن أن يتم ذلك دون تنازل عن السنة النبوية.
وقد صار من العسير حتى أن يوجد في القرى من يتولى الجنائز، أو يصلي التراويح في رمضان ويقرأ المقابلة. وبلغ العامة أنهم لا يستطيعون قراءة القرآن الكريم ولا يعرفون كيف يصلون، وجهلوا الواجبات الدينية، ولم يعودوا يستطيعون عدّ أركان الإيمان، بل ولا النطق بكلمة الشهادة.
وقد استمر الأذان المحمدي يُقرأ بالتركية ثماني عشرة سنة، وطُورد من قرأه بالعربية وعوقب. وشُوّهت صورة رجال الدين والمتدينين باستخدام الصحافة والإعلام، وافتُري عليهم لإسقاطهم من أعين الناس، وقُطع في ذلك شوط بعيد.
ووُصم أصحاب اللحى والعمائم بأنهم قساوسة، وصُوّر المحجبات بالتشادور كأنهن وحوش مخيفة، بل استُهدفن بتهم الفجور. ومن أجل ذلك أُنتجت أفلام ومسرحيات كثيرة. وبلغ الأمر حد إقامة مراسم لنزع التشادور في الميادين. ونشأ الأطفال منذ المرحلة الابتدائية على هذه التلقينات. وشُجّع الناس على تقليد أوروبا تقليداً أعمى، وسُحقت في ذلك كل المقاييس، وصارت كل فضيحة تُرتكب علناً.
ومُنع حتى قراءة القرآن الكريم فضلاً عن الكتب المتضمنة للعلوم الدينية. وفي ظل هذه الظروف كان من يريد تعلم دينه يحاول أن يدرس في الجبال والكهوف والحظائر والمقابر، يتوارى في الزوايا، ويترك حرّاساً في الخارج.
وفي هذه الظروف القاسية التي كان فيها حتى قراءة القرآن الكريم بالعربية أمراً عسير المنال، فإن إعداد السيد محمود أفندي خلال زمن قصير لا يتجاوز أربعين أو خمسين سنة آلاف العلماء من الرجال والنساء وعشرات الآلاف من الطلاب، وكونه سبباً في نشأة الملايين من الرجال أصحاب اللحى والنساء المتشادورات، هو بلا شك خدمة تفوق كل تقدير.
وإن كون الشباب في الخامسة عشرة والسادسة عشرة من أعمارهم لا يمسّون لحاهم بالشفرة، ويلبسون العمامة والسروال والجبّة، ويحفظون القرآن، ويتلقون علوم القرآن، وأن الفتيات يلبسن التشادور ويبلغن في سن مبكرة مستوى فهم معاني القرآن، هو ثمرة جهد عظيم وتصرّف معنوي جليل بلا ريب.
وقد جاب السيد محمود أفندي تقريباً كل الولايات والبلدات وآلاف القرى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو دائماً يدعو الناس إلى طلب العلم. وكان يجيب من يسأله «هل لكم أمر أو رغبة؟» بقوله: «ابنوا في كل حي مدرسة للبنات ومدرسة للبنين».
ومن أقواله في الحث على العلم:
«أيها الطلاب! أنتم سحب الأرض الجافة المحمّلة بالمطر، وأنتم أعمدة القبة التي لا عمود لها.»
«لو بقيت لي من عمري ثلاثة أنفاس لقلت لكم: اقرأوا، اقرأوا، اقرأوا.»
«لو كنت مكانكم لبدأت العلم هذا الصباح قبل أن أتناول الفطور.»
المنهج الذي اتبعه في نشر العلم
إن الأسلوب التدريجي الذي استخدمه السيد محمود أفندي في الارتقاء بالعلم بحسب زمانه وأحوال الناس في ظروف تركيا أسلوب يبعث على الدهشة.
حتى إن بعض أهل العلم انتقدوه لأنهم لم يطّلعوا على دقة هذا الأمر. فقد كان يحثّ الناس على العلم قائلاً: «يكفي أن تقرأوا الأمثلة والبناء والعوامل».
ولو قال لأمة لا تعرف قراءة القرآن الكريم وقد أثقلتها هموم المعيشة: «ينبغي أن تدرسوا العلم خمس عشرة أو عشرين سنة»، فمن كان سيقبل هذا العلم؟
ثم رفع المستوى العلمي بعد حين، فأضاف إلى الكتب المذكورة كتباً أخرى مثل الإظهار والعزّي، وشجّع الناس بقوله: «من قرأ الإظهار فهو شيخ».
ثم أضاف إلى هذه الكتب كتباً أعلى منها كالكافية وملا جامي ونور الإيضاح والملتقى والتلخيص وشرح الأمالي وشرح العقائد.
وبعد أن أرسى أساس العلم بهذه الصورة وخرّج طلاباً كثيرين، لم يكتفِ بذلك، بل رفع المستوى العلمي أكثر بأقوال مثل: «ينبغي أن يُحفظ الملتقى»، و«ينبغي أن تُقرأ الهداية»، و«لا أسمّي شيخاً من لم يقرأ ‹مجمع الأنهر› شرح الملتقى فهماً وإتماماً».
وصار يقول الآن: «اقرأوا تفاسير طويلة وأحاديث طويلة وفقهاً طويلاً»، ويقول إنه ينبغي بعد أن يصير المرء شيخاً أن يتخصص في الفقه سبع سنوات، مُظهراً بذلك ما كان في نيته.
وفي أثناء ذلك لم يكن ليرضى أن تبقى النساء جاهلات، فبدأ جهداً جديداً في هذا الباب. فلما كان أيسر ما تتعلم به النساء الإسلام أن تعلّمهن نساء مثلهن، كان لا بد من إعداد معلمات منهن. ولأن تصدّي الرجال لتعليم النساء غير المحارم، وفي زمن فاسد كهذا، يجرّ مفاسد كثيرة، وجد لذلك حلاً: فقد علّم هو الرجال أولاً، ثم أمر العلماء من الرجال بأن يعلّموا زوجاتهم وبناتهم. ثم علّمت الزوجات اللواتي تعلمن من أزواجهن أو آبائهن غيرهن من النساء.
ولأن العوامل التي تُطفئ نور النساء أقل من التي تُطفئ نور الرجال، فقد كثرت مدارس النساء وانتشرت في وقت قصير.
حتى فاق عدد القارئات عدد الرجال. وحفظت كثير من الفتيات القرآن، وصارت كثيرات منهن معلمات وكنّ سبباً في هداية سائر النساء.
وكرّر السيد محمود أفندي في مواعظه مراراً هذا القول في الحث على العلم: «هل يستطيع النجارون والحدادون العاديون أن يبنوا جسر البوسفور؟ لا بد من مهندسين كبار ومعماريين كبار. وكذلك هذا الجسر، جسر الدين، لا يستطيع بناءه صغار العلماء، بل لا بد من علماء كبار.»
لقاء الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو بشيخه
وفي أثناء خدمته العسكرية، التقى الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو بأعظم أساتذته وشيخه علي حيدر أفندي، وكان لقاءً غيّر مجرى حياته. وكان الشيخ علي حيدر أفندي، المعروف بـ«أفندي بابا»، من خطباء الحضرة لآخر أربعة سلاطين عثمانيين، ورئيس هيئة التأليف في مشيخة الإسلام.
وكان علي حيدر أفندي حنفياً متمسكاً بمذهبه، وبلغ من إحاطته بفقه المذاهب الأربعة أنه قال: «لو ضاعت كتب الفقه للمذاهب الأربعة لأمكنني أن أُملي جميعها من الحفظ»، وكان في الوقت نفسه مفتي المذاهب الأربعة. وقد أُوكل إليه إعداد باب «البيوع والإجارة» من «المجلة»، فأتمّ هذا القسم مع هيئة علمية من ثمانية أشخاص اختارهم. وكان في هذه الهيئة الكاتب الرابع له فقيه مقتدر هو عمر ناصح بلمن، الذي صار فيما بعد مفتي إسطنبول ورئيس الشؤون الدينية.
وكان علي حيدر أفندي قد وبّخ في المشيخة، بسبب فتوى، المرحوم زاهد الكوثري، الذي يُعدّ من أعظم علماء أواخر العهد العثماني. ثم حين أرسل إليه، مع تلميذه الشيخ أمين صراج الذاهب إلى القاهرة، قوله: «إنه الآن مهاجر، وقد وبّختُه مرة، فليحلّلني»، قال زاهد الكوثري مثنياً عليه: «إنه أستاذنا، وله الحق في أن يوبّخنا في كل وقت».
ولأن السيد محمود أفندي كان من العباد المراد (المختارين من الله تعالى)، فقد سِيق إليه عالم وشيخ بهذه العظمة، علي حيدر أفندي، وذلك أن شيخه علي رضا بزّاز، المتوفى قبل أربعين سنة والمدفون في بانديرما، ظهر ذات ليلة بطريق معنوي لعلي حيدر أفندي في التكية بإسطنبول، وقدّم له محمود أفندي الذي كان يؤدي الخدمة العسكرية هناك آنذاك، وأمره قائلاً: «تعالَ إلى بانديرما حالاً وخذ الأمانة التي هنا».
فذهب علي حيدر أفندي فوراً إلى بانديرما ووصل إلى جامع التكية، وقال لمريديه الذين معه: «هنا جندي، ابحثوا عنه وأحضروه إليّ». فبدأوا على هذا الأمر يبحثون في بانديرما عن جندي. لكن لأنه لم يكن لهذا الجندي اسم ولا لقب ولا عنوان، لم يكن عملهم سهلاً.
وما بعد ذلك يرويه السيد محمود أفندي قائلاً:
«كنت منذ صغري أحب العلماء والمشايخ. وأينما علمت بوجود عالم أو وليّ من أولياء الله زرتُه. وحين كنت أؤدي الخدمة العسكرية في معسكر المستجدين في بانديرما كنت أتساءل: هل هنا عالم أو شيخ يمكنني زيارته وأخذ دعائه؟ وكان هناك رجل تقي اسمه خليل أفندي. فسألته مرة: ‹ألا يوجد شيخ هنا؟› فأشار إلى قبر علي رضا بزّاز أفندي وقال: ‹لهذا الرجل خليفة، لكنه في إسطنبول›.
فزرت قبر ذلك الشيخ. ولأنني تمنيت أن أزور خليفته وأنال دعاءه، بدأت أفكر: ‹كيف أجد فرصة للذهاب إلى إسطنبول؟›، وفي تلك اللحظة مال قلبي إلى ذلك الرجل. وصرت دائم التفكير فيه.
وفي يوم صليت الجمعة في جامع حيدر شاويش على شاطئ البحر في بانديرما. وبعد الصلاة رأيت في زاوية من الجامع رجلاً بعمامة بيضاء وجبّة بيضاء، مهيباً جداً ونورانياً. بدا لي مهيباً كالسلطان. فلما سألت عن هذا الرجل قالوا لي: ‹هذا هو الشيخ علي حيدر أفندي الذي كنت تريد رؤيته›.
ففرحت كثيراً وأردت لقاءه. لكن المقربين منه احتاطوا وقالوا لي: ‹الزمن سيئ جداً، وهذا الرجل مراقَب. إن جئت ليلاً فستلقاه›. فلما ذهبت ليلاً كان قد نام مبكراً لتعبه. ولم يُقدَّر لي لقاؤه إلا في اليوم التالي، فلما دخلت عليه وما إن رآني قال: ‹هذا هو الشخص الذي سأسلّمه كتبي›. وهكذا التقينا وتعارفنا، وأخبرني أن شيخه سلّمني إليه معنوياً، وأوصاني ألا أفارقه، فلم أتركه بعد ذلك أبداً.»
إجازة الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو
حفظ السيد محمود أفندي القرآن وهو في السادسة من عمره عند أبيه وأمه. وبتأثير تدين أسرته والبيئة التي نشأ فيها، كان يصلي في المسجد رغم صغر سنه، ويعتني بالنوافل.
وبعد أن أتمّ الحفظ ذهب في شهر رمضان إلى قيصري، فقرأ الصرف والنحو والفارسية على أحمد أفندي تسبيحجي زاده، من علماء تلك المنطقة المعتبرين. وبعد أن أقام في قيصري سنة عاد إلى بلدته أوف، فقرأ القرآن الكريم بالقراءات على محمد رشدي أشيق قوتلو أفندي، أشهر علماء القراءات في زمانه.
وأكمل سائر العلوم الشرعية، من بلاغة وعلم كلام وتفسير وحديث وفقه وأصول فقه، على صهره تشاليكلي الحاج دورسون فوزي أفندي، وهو من علماء العلوم العقلية والنقلية المتخصصين ومن مدرّسي المدرسة السليمانية، ونال الإجازة وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره.
أما الطلاب الذين بدأ تدريسهم وهو لا يزال طالباً، فقد أقرأهم نحو سبع سنوات ثم أجازهم قبل ذهابه إلى الخدمة العسكرية (وكان ذلك في تلك الأيام أمراً بالغ الصعوبة).
مولد الشيخ محمود أوستا عثمان أوغلو
وُلد السيد محمود أفندي عام 1927 في قرية ميتشو (تافشانلي) من قضاء أوف في ولاية طرابزون. وكان أبوه علي أفندي بن مصطفى وأمه السيدة فاطمة بنت طوفان من أهل الورع والتقوى المشهورين، من أهل الفضل والاحترام. وكان علي أفندي يؤم الناس في مسجد القرية، ويعمل في الوقت نفسه بالزراعة في حقله. ورغم بُعد حقله عن المسجد لم يكن يقصّر في واجبه قط، بل كان يأتي إلى المسجد حتماً فيؤذن ويؤم الصلاة.
وأحياناً لا يستطيع القرويون القدوم إلى المسجد لانشغالهم بالزراعة، فكان علي أفندي يترك عمله ويصلي في المسجد رغم علمه أنه سيضطر إلى الصلاة منفرداً.
وكان علي أفندي شديد الحرص على العبادة، يكثر من قراءة القرآن، من أهل القناعة. وفي عام 1954 ذهب إلى الحج بمال ادّخره بمشقة، فاعتلّ في مكة المكرمة وتوفي ودُفن في جنة المعلاة قرب أبيه مصطفى أفندي الذي كان قد توفي هناك قبله.
وكانت أمه فاطمة هانم شديدة الحرص على حقوق العباد. فكانت إذا ساقت أبقارها إلى المرعى ربطت أفواهها حتى لا ترعى في بستان أحد. وإذا وقع أن رعت إحداها في بستان غيرها طلبت من صاحبه الإبراء فوراً، وأعطته كل ما حلبته من لبن تلك البقرة.
