تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
مؤسسة إيرينلر

المقالات

الضيف المنتظر: الأشهر الثلاثة

المقالات

الضيف المنتظر: الأشهر الثلاثة

04
فبراير

حين تتزيّن الدنيا بكل زينتها فتخطف أبصارنا، وتفلس مشاعرنا في قلوبنا، ويحلّ القسوة محلّ رقّة القلب، والغفلة محلّ الخشية، وما سوى الله محلّ التفكّر، والتفاخر محلّ التواضع، والأنانية محلّ الأخوّة، والبخل محلّ الكرم والإنفاق…

وحين تذبل حلاوة العبادة في القلوب، ويوشك إبليس أن يقعد بمكره وفخاخه على كل مفترق، تبدأ في قلوبنا نسمة إلهية تهبّ، تُنزل سيول الفيض على الأرواح الظمأى القاحلة، وتُنبت من جديد براعم العبودية، وتُفجّر ينابيع الرحمة…

إيقاظاً لنا من الغفلة، وتذكيراً بالغاية التي خُلقنا لها، وإذاقةً للقلوب لذّة العبادة، تُقدَّم الكؤوس في أقداح الفيروز لمن أراد الثبات على الصراط المستقيم، ولنا نحن الذين ضللنا أثر سيّد العالمين مع أنهم اتخذوه الدليل الوحيد، وللمتعثّرين في الطريق المستوي، الذين وقعوا في الحفر عند أقدامهم وأعينهم شاخصة إلى الهدف في الأفق، ولمن أراد أن يحيا من جديد، ويدخل البساتين الخاصة التي تتردد في كل أرجائها بشرى الربيع بعد دروب الأشواك…

سرّ الطلب

لو لم يُرد أن يعطي لما ألهمك أن تسأل. (قول مأثور من كلام الكبار)

هكذا جاء في كلام أهل الفضل.. فالله تعالى الذي خلق ليُعرف يحب أن ندعوه ليُعطي. وعلى خلاف أبواب العباد التي يقلّ قدر السائل عندها كلما سأل، يزداد قدر العبد كلما سأل، ويُعطى كلما تضرّع، ويُجاب كل مناجاة بـ«لبّيك» في حضرة العليّ الأعلى..

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ (الفرقان: 77) يقول الله تعالى.. والعبد الذي وقع بين مخالب النفس والشيطان، كلما سقط أظهر ضعفه وانكسر قلبه ودمعت عيناه، وطلب ملجأً، استُقبل تحت أجنحة الرحمة الإلهية ضيفاً عزيزاً، فتُغفر زلّاته ويُطهَّر، وتُبدَّل سيئاته حسنات. فسرّ نيل الرحمة الإلهية إذن هو إظهار العجز بشعور فيّاض من أعمق أغوار القلب، والاعتراف بالعبودية على هذا الباب.

«لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (مسلم، التوبة، 9) يقول سيد العالمين، مبشّراً إيانا نحن الذين اكتنفنا النقص من كل جانب وأحاطت بنا الأخطاء من كل ناحية، وكاشفاً لنا ستار سرّ الحكمة في خلق الإنسان.

الذنب والتوبة.. اللجوء من غضبه إلى رحمته، والخوف من عذابه مع رجاء رضاه، وتعلّم النهوض بعد السقوط، وحبّ من لا يُرى كأنه يُرى، والتضرّع كأنك تسمع الإجابة. كل هذا غايتنا في الخلق. ولو فقد الإنسان هذه الخصال وصار كالملائكة لا يذنب ولا يخطئ، لتغيّرت الغاية من خلقه وفطرته.

وهذه الأشهر الثلاثة التي نعيشها موسم مبارك تهطل فيه العطايا والمنن غزيرة، وتُفتح فيه خزائن الكرم على مصراعيها مقابل اعترافنا بالعبودية وإظهارنا العجز.

الأشهر الثلاثة التي تُنتظر بشوق

الأشهر الثلاثة… كانت لهفة حلوة تأخذ سيد عصر السعادة ﷺ إذا اقتربت. وكانت الأدعية تنهمر صافية كاللآلئ… وكانت كل ليلة فيها وصلاً جديداً وكل نهار حياة مختلفة إذا حلّت. وكان يدعو: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان». لم تكن الأشهر الثلاثة عنده مجرد حيّز من الزمن، ولا مجرد حركة القمر والشمس ودوران الأرض.

كانت الأشهر الثلاثة تتجسّد في روح سيد الكائنات الطاهرة كصديق يُنتظر طريقه بشوق ويُتلهّف إلى لقائه، وكانت تُستقبل بالتوقير على موائده النورانية كضيف جليل القدر والمنزلة.

تخيّلوا ضيفاً أيها المؤمنون! تتناثر الهدايا من حقيبته. يمنحك كيساً تنال منه ما تشاء، ويبلغك ما تتمناه، ويهب سعادة الدارين. يسمّي هذا البحر اللامتناهي من العطايا «الرغائب»… وفي أول جمعة منه، ما إن يحلّ حتى نتطهّر، وندخل أجواءه الروحانية، ونتخلّص بعد وداعه من الدوامة التي نقع فيها، فيغمر برحمته بسخاء، بلا حساب ولا عدّ ولا حدّ، كل القلوب التي تريد أن تغتسل.

«رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي» يقول النبي ﷺ.. فرب العالمين الله جلّ جلاله يُذيق حبيبه في شهره نعمة الرؤية ولذة الوصال التي لم يُذقها أحداً في الكون سواه. وفي ليلة السابع والعشرين من رجب الشريف تعرج قلوب المؤمنين جميعاً، ويرافقون سيد العالمين بمعارج روحية، وبذلك يترك الضيف الكريم عند وداعه هديةً أخرى. يطهّر في بدايته، ويهب الارتقاء في نهايته. يا له من صديق جميل وعابر عزيز…

لا يترك أيدينا عند رحيله، ولا يتخلّى عن محبّيه في الأيدي الغريبة، بل يسلّمهم إلى شهر حبيبه، ويغمر الأجساد المتطهّرة من وصال إلى وصال ومن محيط إلى بحر… «كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان كله إلا قليلاً» تقول أم المؤمنين السيدة عائشة. وقال النبي ﷺ مشيراً إلى سبب عنايته به: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان». صديق جديد، حبيب جديد يطرق باب المؤمنين، وما يحمله من عطايا يليق بشأنه، معبّراً تمام التعبير أنه شهر نبيّ الرحمة.. وفي ليلة النصف منه تتلاطم أمواج المغفرة على شواطئ قلوب المؤمنين. ومن ذا الذي لا يبتلّ… فكل من آمن بالله ورسوله وأرضى والديه يُسلَّم براءته من النور بيده… يا لها من عطية عظيمة، ويا له من ضيف كريم…

وثمرة كل هذه التهيئة… يبدأ بريق الضيف المنتظر المبهر بالظهور من وراء التل، حين تدور ليلة «العفو»… لم يبقَ أثر للقلوب القاسية، وقد غُسلت كل كدورة في ينبوع ماء الحياة، والأعين مغرورقة، والقلوب مستعدة، ينتظر المؤمنون شهرهم، سلطان أحد عشر شهراً، ليحلّ وقته.

عند وقت الإمساك يرسو السلطان على عروش قلوبنا… لكن مجيئه مختلف، فقد رُفعت أستار الغيب، تلمسه كأنك تحسّه، ويتجلّى متجسّداً في كل مكان. أينما نظرت رأيته، ويحيط أنواره بما بين الأرض والسماء جليّة… لا يُخفي هذا الضيف المبارك نفسه.. ينزل في قلوب المؤمنين جميعاً… ويُظهر في كل حين أنه مخصوص بهم.

كأنه يقدّم أندر لآلئ الأصداف، وينثر أجمل عطور الورود، وكما تشرّفت اللحية الشريفة من بين أربعين قطعة حرير، يقدّم هذا الضيف المبارك أثمن هداياه في أيامه العشرة الأخيرة… فلا تُظهر الحكمة الإلهية «ليلة القدر» الخير من ألف شهر من العبادة، لتشهد بحث المؤمنين عنها. ويعطي سيد العالمين ﷺ تلميحات للقلوب الحائرة فيقول: «في الأيام الوتر من العشر الأواخر، وأرجاها ليلة سبع وعشرين».

ونحن إذ ننتظر هؤلاء الضيوف المباركين عشيّة رحيلهم، نتمنى بهذه المناسبة صلاح قلوبنا الجريحة. آمين!

يُنشر هذا المقال بالإحالة إلى موقع إسماعيل آغا الإلكتروني المذكور رابطه أدناه.

Beklenen Misafir: Üç Aylar

اترك تعليقاً إلغاء الرد

← جميع المنشورات

لا تؤجّل، بسمل وابدأ الآن

«مَن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة.»

— النبي محمد ﷺ

سجّل كطالب →